يمر علينا أول رمضان نصوم فيه كأنه شيء جديد نجربه لأول مرة, ونكون سعداء جداً به وخاصة عندما نذكر أوقات السحر والاستيقاظ باكراً وصلاة التراويح, وعندما نذكر كيف كنا نتسابق إلى صلاة التراويح ونبدأ بالتحدي بين بعضنا من يظل صامداً أطول عدد ممكن من الركعات..
وتمضي الأيام وتمر وعندما نبلغ مبلغ الرجال ويصبح الصيام علينا فرضاً, ترانا نتكاسل ونتراجع ونتهاون في الأشياء التي كنا نتنافس فيها فيما مضى!
لا يخفى على أحد أن رمضان هو شهرٌ فريد لا مثيل له بين أشهر السنة ففيه تضاعف الحسنات, ويجد أحدنا من الناس مساعدة على الطاعة عندما يقوم الجميع بالطاعة ذاتها وبنفس الوقت, فيشعر الإنسان عندها أنه ليس وحيداً في هذا العالم الكبير المتفرق.
ومن أنفس الأشياء التي أكرمنا الله بها في رمضان (والتي نعرفها جميعاً كما أظن) أنه الشياطين تكون محبوسة في رمضان, غير متوفرة لأداء عملها المعتاد (Out of Service
), فالله تعالى تكفل لنا بعدم إزعاج الشياطين لقلوبنا في هذا الشهر الكريم, لكن يأتي هنا سؤال يتكرر كثيراً: إن لم تكن الشياطين موجودة فلمَ لا نرى في أنفسنا قوة على الطاعة أو جلداً عليها؟!
في الأيام العادية هناك احتمالان عندما يتسلط الشيطان على الإنسان ويستطيع أن يوجهه كيفما يريد, إما أن يكون الشيطان قوياً أو أن يكون الإنسان ضعيفاً..
عندما يأتينا رمضان نتبين الاحتمال الصحيح ونتأكد منه, فللأسف مع عدم وجود الشيطان في أيام رمضان ترى كثيراً من الناس يتراجعون ويُسيئون جداً, ومنهم من لا يسيء ولكن لا يحسن أيضاً, ومنهم الأفضل وهم الذين يحسنون ولا يسيئون..
بالتالي عندما نجد أن أنفسنا لا ترضخ لنا ولا تأتمر بما نأمرها به لنعلم أن لدينا نفساً فاسدة متمكنة منا أكثر من تمكّن الشيطان منا! بالتالي حتى في رمضان لن يتغير في حياتنا شيء طالما أن باب السوء لا يزال مفتوحاً.
إذاً .. ما هو الحل؟
الحل يكون بإصلاح هذه النفس, بأن نقوم بترويضها شيئاً فشيئاً حتى تصبح مطيعة لنا كما يحب الله تعالى ويرضى, فكما قال الإمام البوصيري:
والنفس كالطفل إن تهمله شب على … حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فكما نعوّد أنفسنا تتعود لكن المصيبة تكمن في أننا نبدأ بالشيء الصحيح لكننا نفقد زمام السيطرة بعد فترة عندما نركن إلى أهواء النفس ونرجع لاتباع أوامرها بدل أن نجعلها تبعاً لنا.
لأمر يحتاج إلى إصرار شديد, وتذكر دائم للأسباب التي تدفعنا إلى ترويض النفس وإلى توكّل على الله وإلى دعاء بأن يساعدنا الله في هذا الطريق.
بالتأكيد هذا ليس بالأمر السهل وهو يسير على من يسره الله عليه, وهذا لا يعني أيضاً أن لا نفعل شيئاً ونبقى حيث نحن, فهذا الأمر يحتاج إلى جهد ولكنَّ ثوابه وجزاءه ليس بالقليل أبداً, ودخول الجنة ليس بالمجان!!
فمن خرج من رمضان بتغيّر نحو الأفضل فليهنئ بما أكرمه الله به, ومن خرج كما دخل فأنصحه بإعادة حساباته فقد يكون رمضان الذي ذهب هو آخر رمضان ولن يأتي عليه رمضان آخر, وأما الذي خرج من رمضان أسوأ مما دخل, فليكبر أربع تكبيرات على نفسه.
من لم يُصلِّ في رمضان فمتى سيصلي؟!
من لم يغض بصره عن الحرام في رمضان فمتى سيغضه؟!
من لم يقرأ القرآن في رمضان فمتى سيقرأه؟!
من لم يرتقِ في رمضان فمتى سيرتقي؟!
نهاية أنصح نفسي وجميع المسلمين بأن يضعوا بضعة أفكار صغيرة يجدونها جديرة بالتغيير في رمضان, كلٌّ بما يناسبه ويصقل بها نفسه.
شخصياً أنصح أن نبدأ بقراءة القرآن مع قليل من التفكير مع معاني ما نقرأ, لا أن نقرأ وكأننا نقرأ لغة أجنبية لا نفهم منها شيئاً, ولو قرأنها آية مع الفهم يومياً فهو أمر جيد لكن بشرط أن نستمر على هذا العمل.
اللهم اكتبنا من المقبولين في هذا الشهر القادم واكتبنا من عتقاءك من النار.